أحمد بن محمود السيواسي
182
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 140 ] إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( 140 ) ثم قال تعزية لهم ( إِنْ يَمْسَسْكُمْ ) أي إن يصبكم ( قَرْحٌ ) بفتح القاف وضمها « 1 » ، أي جراحة ( فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ ) أي الكفار ببدر ( قَرْحٌ مِثْلُهُ ) قيل : قتل المسلمون من الكافرين ببدر سبعين وأسروا سبعين ، وقتل الكافرون بأحد من المسلمين سبعين وأسروا سبعين « 2 » ، وفيه ضعف لما سيأتي ويدل على المماثلة قوله تعالى ( وَتِلْكَ الْأَيَّامُ ) أي أيام الظفر والغلبة ( نُداوِلُها ) أي نصرفها ( بَيْنَ النَّاسِ ) أي بين المسلمين والكافرين تارة لهم وتارة عليهم ، ومنه قول العرب : « الحرب سجال » « 3 » ، أي مساجلة ، وهي المناوبة بأن يصنع أحد مثل صنع قرينه في جري أو « 4 » سقي أو غير ذلك بالتوبة ، وأصله من الدلو إذا كان فيه ماء قل أو كثر ، قوله ( وَلِيَعْلَمَ ) عطف على العلة المقدرة ، أي فعلنا ذلك ليتعظوا وليعلم بالتمييز والإظهار ( اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ) بالإخلاص شكوا « 5 » في دينهم فيجازون على ما فعلوا ، لأن المخلص يتبين حاله في الشدة والبلاء فيعطي ثوابه بما يظهر منه لا بما يعلم منه ( وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ ) أي لكي يكرمكم بالشهادة لا لأجل نصر الكفار وحبهم ( وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) [ 140 ] نفوسهم بالكفر والنفاق . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 141 ] وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ ( 141 ) قوله ( وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ ) عطف على « لِيَعْلَمَ » ، أي ليطهر ويصفي ( الَّذِينَ آمَنُوا ) من الذنوب قتلوا أو قتلوا بالجهاد ، من محصت الذهب إذا أزلت « 6 » منه الوسخ ( وَيَمْحَقَ ) أي ويهلك بالاستئصال ( الْكافِرِينَ ) [ 141 ] لأنهم بذلك يتشجعون فيخرجون تارة أخرى فيهلكون . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 142 ] أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ( 142 ) ( أَمْ حَسِبْتُمْ ) أي أظننتم ، فالهمزة للإنكار والميم صلة ( أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ) قبل أن تصيبكم شدة في دين اللّه وهو المراد من ( وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ ) بكسر الميم للساكنين ، والواو واو الحال و « لَمَّا » بمعنى لم إلا أن في « لَمَّا » معنى التوقع ، وأراد « 7 » به أن لما يدل « 8 » على نفي الفعل فيما مضى وعلى توقع ثبوته فيما يستقبل ، أي ولم يعلم اللّه ( الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ ) يعني ولم يظهر جهاد المجاهدين في سبيله بعد بقتل أو جرح أو غيرهما ( وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) [ 142 ] بالنصب باضمار « أن » ، والواو بمعنى الجمع ، وبالجزم « 9 » على العطف على « وَلَمَّا يَعْلَمِ » لكن فتحت الميم لالتقاء الساكنين اتباعا للام ، والمعنى : أتحسبون دخول الجنة والحال أنه ما اجتمع علم اللّه بالمجاهدين منكم وعلمه بالصابرين منكم في الشدائد . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 143 ] وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 143 ) قوله ( وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ ) أي القتل والشهادة ، قيل : كان غرضهم قصدهم إلى نيل كرامة الشهادة لا غلبة الكافر على السملم « 10 » ( مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ ) أي تلاقوه وتصلوا إليه ( فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ ) بأعينكم يوم أحد ( وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ) [ 143 ] عيانا أسباب الموت ، وهي السيوف السهام ، نزل عتابا لهم حين وصف اللّه لهم الكرامة النازلة
--> ( 1 ) « قرح » : قرأ شعبة والأخوان وخلف بضم القاف ، والباقون بفتحها . البدور الزاهرة ، 70 . ( 2 ) أخذه عن البغوي ، 1 / 555 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 1 / 304 . ( 3 ) هذا مذكور في البغوي ، 1 / 556 ؛ والكشاف ، 1 / 202 . ( 4 ) أو ، ب س : و ، م . ( 5 ) شكوا ، ب س : يشكوا ، م . ( 6 ) إذا أزلت ، ب م : إذا زالت ، س . ( 7 ) وأراد ، س : وأرادوا ، ب م . ( 8 ) لما يدل ، ب م : لما تدل ، س . ( 9 ) أخذ هذه القراءة عن الكشاف ، 1 / 203 . ( 10 ) لعل المصنف اختصره من البغوي ، 1 / 557 ؛ والكشاف ، 1 / 203 .